علي بن رضوان المصري

126

الكتاب النافع في كيفية تعليم صناعة الطب

الأشياء معرفة بالغة ، فان اضطر في حال إلى تناولها بنفسه فعل . ذلك أنه قد تفاجىء امراض لا تمهل الطبيب إلى أن يحضر ما يحتاج اليه من أهل هذه ، فيضطر هو إلى أن يتناولها فيكون من حيث أمر بها طبيبا ، ومن حيث تناولها الة ، وليس هذا يمتنع فان أشياء كثيرة هي من وجه اخر شئ اخر . وذلك ان الطبيب من حيث هو طبيب بمنزلة الملك العظيم المقيم في وسط مملكته يصرف الولات في اعماله لينوب كل واحد منهم في العمل الذي أولاه عنه ، ويتصرف فيه حسب ما امره الملك . وكذلك الطبيب يأمر كل واحد منهم من أصحاب المهن بما سمح به المرض . ولقد أمر ابقراط وجالينوس ان يكون من يدبر ، سامعا مطيعا للطبيب كما يستمع العبد من مولاه وأهل المملكة من ملكهم . فإن لم يكن تدبر صناعة الطب على هذه ، فينبغي للطبيب ان لا يتعرض ما أمكنه ذلك . ومن البين ان اجتماع ما ذكرنا في انسان واحد عسر ، فلذلك يكون وجود الطبيب نادرا في كل مدينة ، وفي كل زمان . وبقدر نقصان الطبيب فيما ذكرنا يكون انحطاطه عن الكمال [ و ] يكون انحطاطه في صناعته . ولهذه الأسباب كلها صار يتسمى بالطب الفصادون ، والكحالون ، والبطاطون « * » ، والحقانون ، وكثير من الصيادلة ، ولقاط الأدوية « * * » . وقوم كثير لما اجتمع فيهم بعض هذه المهن اعجبوا بأنفسهم وظنوا أنهم أطباء فضلاء ، فوثبوا إلى تأليف الكتب . ومن القبح الشنيع ان يتعاطى رجل وضع كتاب قد سبق اليه واستقصى من قبله ما صنعه . وأشنع من هذا واقبحه ان يكون المتأخر مقصرا فيما وضعه الأول ، وان اتفق ان يكون المتأخر غالطا أيضا أو مخطيا فيما وضعه ، فتلك غاية الشناعة والقبح . ونحن نجد كثيرا من واضعي الكتب بعد جالينوس على هذه الحال كما

--> ( * ) البطاطون : هم الذين يمارسون شق الخراج وما على مستواها من العمليات ( * * ) لقاط الأدوية : هم الذين يجمعون الأعشاب الطبية من البراري .